بسملة الجمل
بعيدًا عن التفاصيل الفنية التي حسمت بها مواجهة إسبانيا والأرجنتين في نهائي كأس العالم 2026، فإن القاسم المشترك بين لويس دي لا فوينتي وليونيل سكالوني قد يكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن يتوقف عندها الاتحاد السعودي لكرة القدم.
فالمدربان لم يصلا إلى قيادة منتخبيهما من فراغ، بل شقا طريقهما عبر المنتخبات السنية، واكتسبا خبرة طويلة داخل منظومة بلديهما، قبل أن يقودا المنتخب الأول إلى المجد العالمي، وتطرح هذه التجربة سؤالًا مشروعًا: هل آن الأوان لأن يمنح المنتخب السعودي الفرصة لمدرب وطني يعرف تفاصيل الكرة السعودية من الداخل؟
منذ رحيل فيصل البدين عام 2015، ظل المنتخب السعودي يعتمد بصورة كاملة على المدرب الأجنبي، فتناوب على قيادته أكثر من اسم، من بيرت فان مارفيك إلى هيرفي رينارد وروبرتو مانشيني ثم جورجيوس دونيس، دون أن ينجح المشروع في تحقيق الاستقرار المطلوب.
ورغم الإمكانات المالية الضخمة والدعم الكبير الذي شهدته الكرة السعودية خلال السنوات الأخيرة، فإن المنتخب تأهل إلى كأس العالم 2026 عبر الملحق، قبل أن يودع البطولة مبكرًا من دور المجموعات، وهو ما يعكس أن المشكلة لا تتعلق بالإمكانات وحدها، بل بطبيعة المشروع نفسه.
وفي المقابل، برز سعد الشهري كأحد أنجح المدربين الوطنيين في السنوات الأخيرة، بعدما قاد المنتخب الأولمبي إلى التتويج بكأس آسيا تحت 23 عامًا، والفوز بكأس غرب آسيا، وبلوغ أولمبياد طوكيو، ليؤكد امتلاكه القدرة على بناء فريق والمنافسة على البطولات.
ولم يكن الشهري وحده، فخالد العطوي أيضًا حقق نجاحات مع منتخبات الشباب، ما يؤكد أن المدرسة التدريبية السعودية تمتلك كفاءات تستحق منحها الفرصة مع المنتخب الأول.
المفارقة أن الفترة الذهبية للمنتخب الأولمبي بقيادة الشهري جاءت بالتزامن مع بداية تراجع نتائج المنتخب الأول، وهي المرحلة التي كان يمكن خلالها التفكير في انتقاله إلى قيادة الأخضر بعد رحيل رينارد في ولايته الأولى، لكن الاتحاد فضّل الاستمرار في خيار المدرب الأجنبي.
وتقدم التجربة المصرية نموذجًا مختلفًا يمكن الاستفادة منه، بعدما تولى حسام حسن قيادة منتخب بلاده وسط تشكيك واسع، قبل أن ينجح في قيادة الفراعنة إلى أفضل مشاركة لهم في تاريخ كأس العالم، مع منح الفرصة لعناصر جديدة صنعت الفارق داخل الملعب.
وأبرز ما ميز تجربة حسام حسن أنه كسر فكرة “القماشة” التي استخدمها مدربون سابقون لتبرير محدودية النتائج، واعتمد على اكتشاف لاعبين جدد ومنحهم الثقة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على أداء المنتخب.
وفي السعودية، تكررت مبررات مشابهة، سواء بالحديث عن قلة مشاركة اللاعبين المحليين في دوري روشن، أو ضعف المواهب، أو صعوبة إيجاد عناصر قادرة على المنافسة، وهي مبررات لم تُترجم إلى حلول حقيقية على أرض الواقع.
المطلوب اليوم ليس تعيين سعد الشهري لمجرد أنه مدرب وطني، بل لأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مشروع يعرف تفاصيل اللاعب السعودي، ويؤمن بقدرته على التطور، ويمنحه الثقة لبناء منتخب قادر على المنافسة.
ومع اقتراب استضافة المملكة لكأس آسيا 2027، ثم كأس العالم 2034، تبدو الفرصة مثالية لإعادة النظر في فلسفة اختيار المدير الفني، والانتقال من سياسة الحلول المؤقتة إلى مشروع طويل الأمد، يكون فيه المدرب الوطني شريكًا أساسيًا في صناعة مستقبل الكرة السعودية.





