كتب / بشير حافظ
في زيارة لـ « عيون الشرقية » لضريح شيخنا وعالمنا الجليل محدث الأمة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، تتجدد في القلوب مشاعر الحزن والوفاء ويعود إلى الوجدان طيف عالمٍ لم يكن مجرد صاحب علم بل كان صاحب رسالة حمل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في قلبه وعقله وجعل من عمره المبارك جسرًا يصل به الناس إلى نور الهداية.
وما أعظم أن تتزامن الزيارة مع طباعة أول مصحف مفسر على يديه وكأنها رسالة من السماء تُطمئن القلوب بأن العلماء وإن غابت أجسادهم فإن آثارهم لا تغيب وأن من أفنى عمره في خدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا ينقطع عطاؤه بموته بل تبقى كلماته نورًا وعلمه صدقةً جارية وأثره شاهدًا له بين يدي الله..لقد رحل الجسد ولكن العلم باقٍ ورحل الصوت الذي طالما صدح بآيات الله وأحاديث رسوله ﷺ ولكن صداه لا يزال يسكن القلوب والعقول.
مسيرة العالم العلامة محدث الأمة
وُلد الدكتور أحمد عمر هاشم في 6 فبراير 1941 بقرية بني عامر، مركز الزقازيق، محافظة الشرقية، وتخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1961، وحصل على الإجازة العالمية عام 1967، ثم الماجستير عام 1969، والدكتوراه في الحديث وعلومه، حتى أصبح أستاذًا بالكلية عام 1983، وتولى الراحل عددًا من المناصب العلمية والأكاديمية، فكان عميدًا لكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق عام 1987، ثم تولى رئاسة جامعة الأزهر عام 1995، كما كان عضوًا بهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية، وأشرف على أكثر من 200 رسالة علمية، وشارك ممثلًا للأزهر الشريف في عدد من المؤتمرات العلمية والدعوية الدولية.
وأثرى الدكتور أحمد عمر هاشم المكتبة الإسلامية بعدد من المؤلفات في الحديث النبوي الشريف والفكر الإسلامي، من أبرزها: «الإسلام وبناء الشخصية»، و«من هدي السنة النبوية»، و«الشفاعة في ضوء الكتاب والسنة والرد على منكريها»، و«التضامن في مواجهة التحديات»، و«الإسلام والشباب».
وحظي العالم المحدث بعدد من أوجه التكريم؛ تقديرًا لمسيرته العلمية والدعوية، فنال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1992، كما تقلد وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.
وعُرف الدكتور أحمد عمر هاشم بجهوده في خدمة السنة النبوية، ونشر العلم والدعوة إلى الله تعالى، وبإسهاماته العلمية والتثقيفية في مواجهة الفكر المتشدد وترسيخ المنهج الوسطي.
وتوفي رحمه الله تعالى في 7 أكتوبر 2025، الموافق 15 ربيع الآخر 1447هـ، وأُقيمت صلاة الجنازة عليه بالجامع الأزهر الشريف، بحضور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقيادات الأزهر والعلماء وطلاب العلم ومحبيه.
بردة محدث الأمة
ننشر لحضراتكم نهج البردة لفضيلة العلامة المحدث الدكتور أحمد عمر هاشم
لاحت لعيني أنوار بذي سلم * يا حادي الركب أسرع بي إلى الحرم
يهفوا الفؤاد لخير الخلق قاطبة * ومنبع النور والتوحيد والكرم
فحبه في دمائي قد سرى وجرى * وذكره عاش في قلبي وفوق فمي
وكيف لا وهو هادينا ومنقذنا * من الجهالة والإثم والظلم
وكم يشرفني أن أكون له * أوفى المحبين ضمن الآل والرحم
من قبل مولده لاحت بشائره * ورد جيش العدا في مرتع وخم
وصان رب الورى أم القرى فربت * لمطلع النور والإيمان والشيم
قد كان ميلاده ميلاد أمتنا * فقد غدت بهواه أعظم الأمم
فالخلق في فرح والكون في مرح * والصبح في وضح يجلو دجى الغسم
نحن الشهود على كل الألي سبقوا * وهو الشهيد بعهد غير منفصم
خيرية الأمة الغراء مبعثها * قيامنا بعظيم الذكر والقيم
فالله أرسله للعالمين هدى * ورحمة لجميع الخلق كلهم
قضى طفولته في طهر نشأتها * فما ألم بهلو الناس واللمم
رعاه رب الورى لم يمش في سمر * من لهو قوم بشر الفعل متسم
بل كان بنكر أن يسعى العباد إلى * عبادة الباطل المنبوذ والصنم
وفي شبيبته إرهاص دعوته * يسمو بحكمته في أبلغ الكلم
فعندما اختلفوا في الرأي عن حجر * يكون في الركن في وضع لمستلم
وكادت الفتنة العمياء تسحقهم * فالعقل في غيبة والأذن في صمم
أتى الرسول فقال القوم في ثقة * نرضى بحكم الأمين الصادق الحكم
لقد تداركهم بالحق أرشدهم * أن يحملوه فوفى الكل بالذمم
وفي حراء قضى أيام خلوته * تحنثا في تقاه دون ما سأم
حتى أتاه أمين الوحي يعلنه * بخير منزلة تعطى لمستنم
قد قال المصطفى إقرأ فأخبره * ما كان يقرأ بل ما خط بالقلم
أفلا يجالس إنسانا يعلمه * وإنما يتلقى الوحي في شمم
فما يعلمه بين الورى بشر * لكن يعلمه الرحمن بالحكم
دعا لتوحيد رب العرش في دعة * وحكمه بفؤاد مشرق بسم
ويأمر القوم أن يصغوا لدعوته * يزجي الرشاد وينهاهم عن الحرم
فاستقبل الشرك صوت الرشد في صلف * لم يصغ للحق إذ نادى له استقم
وكان في وسعه إن شاء أهلكهم * فيصبحون عداد الموت والرمم
لكن رأفته أبدت مقالته * من خير قلب بحبل الله معتصم
قالوا لهم ادع عليهم فانبرى عجلا * يدعو لرشد لهم بالحق ملتئم
لعله من ظهور القوم يخرج من * يدعو لدين الهدى في نوره العمم
وعاهموا للهدى بطروا * عموا وصموا يا بؤسي لذي صمم
وحاولوا في عداء قتل منقذهم * وقد بدا جمعهم في شكل مقتحم
قد بات شبانهم في وجه حجرته * فخاب ما دبروا في سعي كل كمي
قد كان في حفظ مولاه ونصرته * وليس قد بيدهم عنه بمنبهم
قد جاءه الوحي لا تحزن لمكرهم * وقم وهاجر ودع بيتا ولا تنم
غشاهم النوم لم يدروا عفرهم * فوق الرؤوس بقرب الخزي والألم
ومن يلذ بحمى مولاه معتمدا * يحفظه رب الورى من كل منتقم
وفي المدينة أرسى للعلا أسسا * بمنهج عادل في الحرب والسلم
أقام مسجده تزكوا الصلاة به * وفي رحاب الهدى علم لمغتنم
ما بين منزل هادينا ومنبره * تبدوا لنا روضة قدسية النغم
آخى الجميع فصاروا إخوة وبني * للحق والدين وكنا غير منهدم
أدرك رسول الهدى ما حل في دول * من التفرق والبغضاء والوصم
وحدة أمتنا شيدت عزتنا * أعليت رايتنا في أرفع الأطم
ما بالهم نصبوا حربا لبعضهم * والشر يجري بهم في سيله العرم
حتى تداعت عليهم في الدنا أمم * كم تداعى شرور الأكل النهم
يا طالما سيدي حذرت أمتنا * من أن يكون غثاء بالهلاك رمي
لكنهم ويحهم قد أهدروا قيما * وقد نسوا خالق الأكوان من عدم
فالحقد ضيعهم والغدر روعهم *والشر فزعهم في حالك التهم
يا قومنا سابقوا للحق واعتصموا * بحبل رب البرايا خير معتصم
أسرب به ربه ليلا فطاب له *بجسمه يقظا ما كان في الحلم
لما أتى المسجد الأقصى رأى رسلا * تجمعوا في انتظار الخاتم العلم
صلى بهم وسماء الحق شاهدة * في موكب بجلال الحق مرتسم
كانت إمامته إعلان دعوته * لعالمين فكانت خير مختتم
ولاح معراجه للأنبياء هدى * وسدرة المنتهى في ثغر مبتسم
ورحب الملأ الأعلى بطاعته * في مظهر بجلال النور منتظم
في حضرة الحق هام المصطفى فرحا * لقد أتى لمكان قبل لم يرم
أعطاه مولاه معراجا لأمته * هو الصلاة وفيها أمن مضطرم
ومعجزات رسول الله وافرة * فيها نجاة من الأخطار والأزم
في راحتيه نرى الحصا مسبحة * وقسم القمر المنشق بالقسم
بين الأصابع ماء نابع غدق * روى به كل محتاج وكل ظمي
قد خلد الله منها خير معجزة * في محكم الذكر بالإعجاز والقدم
قرأنه رحمة للعالمين ومن * يعمل بآياته يسعد ويغتنم
قد اعجز الجن والإنس الألي وصلوا * في قمة الفكر أعلى الشعر والكلم
كتاب رب الورى فيه هدايتنا * وآية صرح أمن غير منثلم
من يتل آياته يسعد بدعوته * ومن يلذ بهدي الآيات يستقم
أثبكم يا رسول الله بعض أسى * من جيش إفك على البهتان معتزم
قد حاولوا سيدي إنكار سنتكم * فأنذر بلهيب النار والحمم
لمن يهدموا سرحها العالي وإن كثروا * ومنزل الإفك إن نمسسه ينهدم
إن الآلي حاولوا إنكار سنتكم * قد أنكروا قبلها القرآن في غشم
لولا حديثك لم نعرف شريعتنا * ولم نصل ولم نحج ولم نصم
بهديكم عرفت عرفت أحكام شرعتنا * جاءت مفصلة في لا وفي نعم
تكفل الله بالقرآن يحفظه * وقولك الحق شرع للكتاب نمى
نفدي حديثك ما عشنا بأنفسنا * نرويه بالسند العالي بكل فم
نوينا حبك ركن في عقيدتنا * يجري بقلبي وإحساسي وحر دمي
أراك يا سيدي في كل خاطرة * في كل باد من الدنيا ومنثم
أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته * يوم الزحام من الأهوال والنقم.
رحم الله الدكتور أحمد عمر هاشم الذي جمع في رسالته بين خدمة القرآن الكريم وبيان السنة النبوية المطهرة وجعل منهما منارةً يهتدي بها المحبون وطلاب العلم..اللهم كما جعلت له أثرًا في كتابك وسنة نبيك فإجعل القرآن العظيم شفيعًا له وإجعل كل حرفٍ نُفع به الناس في ميزان حسناته وإرفع درجته في عليين وإجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء..رحم الله من رحل وبارك في علمٍ بقي وجعل ذكراه نورًا لا ينطفئ وأثرًا لا ينقطع ومحبةً لا تزول




