كتب – صلاح فؤاد
في وقت أصبحت فيه المبادرات المجتمعية واحدة من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها صناعة التغيير الحقيقي، يثبت شباب قرية بردين أن الانتماء للمكان لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات تُقال، أو مشاعر تُعبَّر عنها في المناسبات، وإنما مسؤولية تتحول إلى عمل على الأرض.
ومن هنا جاءت تجربة شباب بردين، الذين قرروا أن يبدأوا بأنفسهم، وأن يقدموا نموذجًا مختلفًا للعمل العام، من خلال مبادرة تهدف إلى الاهتمام بنظافة القرية والحفاظ على مظهرها، في مشهد يعكس وعيًا حقيقيًا بقيمة المكان وأهمية المشاركة المجتمعية.
المبادرة لم تكن مجرد حملة لتنظيف بعض الشوارع أو تحسين المظهر العام، وإنما رسالة واضحة بأن أبناء القرية قادرون على المشاركة في صناعة مستقبلها، وأن الشباب يمكن أن يكونوا عنصرًا فاعلًا في مواجهة المشكلات اليومية، بدلًا من الاكتفاء بانتقادها أو انتظار الآخرين للتعامل معها.
واللافت في تجربة شباب بردين أنها جاءت من منطلق شعور حقيقي بالمسؤولية تجاه القرية، خاصة أن بردين تقف على أعتاب مرحلة جديدة، مع تزايد الحديث عن مستقبلها وإمكانية تحولها إلى مدينة في القريب العاجل، وهو ما يجعل الحفاظ على صورتها الحضارية والاستعداد لهذه المرحلة مسؤولية مشتركة بين الجميع.

وفي مقدمة الشباب الذين يستحقون الإشادة يأتي حسن، وتيد فوزي عامر، وعاطف توفيق، ويشارك في هذا العمل إلى جانب الأسماء السابقة كل من الحاج محروس العريان، الأستاذ جمال شاور، الأستاذ عبد الرؤوف نور قطب، الأستاذ جمال بدران، الأستاذ أحمد مصطفى مسلم، الحاج صلاح أيوب، المهندس محمد فتحي، والأستاذ نشأت عامر، الأستاذ محمد حسام بدران.
كما كان هناك مجهود إداري ومشاركة من الأستاذ مصطفى شرف، رئيس الوحدة المحلية ببردين، إلى جانب جميع المشاركين والداعمين لهذه المبادرة، في مشهد يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، وإنما تصنعه مجموعة من أبناء المكان عندما يجتمعون على هدف واحد.
والحقيقة أن قيمة هذه التجربة لا تتوقف فقط عند ما تم إنجازه على الأرض، وإنما في الفكرة نفسها؛ فالشباب اختاروا أن يتحركوا بدلًا من الانتظار، وأن يقولوا إن خدمة القرية ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية كل من ينتمي إليها ويؤمن بأن له دورًا في مستقبلها.
كما أن المبادرة تعكس صورة إيجابية عن شباب بردين، الذين استطاعوا أن يثبتوا أن الشباب عندما يحصلون على المساحة المناسبة للمشاركة، يمكنهم أن يقدموا أفكارًا وتجارب تستحق الدعم والتقدير، وأن العمل التطوعي يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية قادرة على تحسين الواقع.
ولم تكن المشاركة الشبابية وحدها هي اللافتة في هذه التجربة، فقد كان هناك أيضًا مجهود إداري ومشاركة من الأستاذ مصطفى شرف، رئيس الوحدة المحلية ببردين، في إطار التعاون ودعم جهود الشباب، وهو ما يعكس أهمية التكامل بين العمل الشعبي والدور التنفيذي، عندما يكون الهدف هو خدمة المواطنين وتحسين مستوى القرية.

هذا التعاون بين الشباب والجهاز التنفيذي يمثل نموذجًا مهمًا يمكن البناء عليه مستقبلًا، لأن القرية التي تستعد للانتقال إلى مرحلة جديدة تحتاج إلى أن يعمل الجميع بروح واحدة؛ شبابًا وأهالي ومسؤولين، وأن تتحول الرغبة في التطوير إلى خطوات حقيقية يشعر بها المواطن على أرض الواقع.
بردين اليوم ليست مجرد قرية تتطلع إلى أن تصبح مدينة، وإنما مجتمع يمتلك من أبنائه ما يؤهله لأن يكون نموذجًا في المشاركة والانتماء. وما قام به شبابها يمكن أن يكون بداية لمرحلة أكبر، تتسع فيها دائرة المشاركة لتشمل المزيد من أبناء القرية، وتتحول المبادرات الفردية إلى ثقافة مجتمعية مستمرة.
والأهم أن مثل هذه المبادرات تبعث برسالة إلى كل الشباب: لا تنتظر أن يتغير المكان من حولك، ابدأ بنفسك، فربما تكون الخطوة الصغيرة التي تقوم بها اليوم هي بداية تغيير أكبر غدًا.
لقد أثبت شباب بردين أن الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى شعارات، وإنما يحتاج إلى فعل. وأن حب القرية لا يُقاس بكثرة الحديث عنها، وإنما بما يقدمه أبناؤها من وقت وجهد وفكر لخدمتها.
ومن هنا، فإن ما قدمه شباب بردين يستحق الإشادة والتقدير، ليس فقط باعتباره مبادرة للنظافة أو تحسين المظهر، ولكن باعتباره نموذجًا لفكرة أكبر: أن أبناء المكان هم أول من يستطيعون صناعة الفارق، وأن التعاون بين الشباب والقيادات التنفيذية يمكن أن يفتح الباب أمام مبادرات أكثر تأثيرًا خلال الفترة المقبلة.
ويبقى كل شباب بردين المشاركين والداعمين، نموذجًا يستحق أن يُسلط عليه الضوء، لأنهم اختاروا أن يكونوا جزءًا من الحل، وأن يحولوا الانتماء من مجرد إحساس إلى مبادرة، ومن الكلام إلى عمل، ومن الرغبة في التغيير إلى خطوة حقيقية على الأرض.
ومع اقتراب بردين من مرحلة جديدة في تاريخها، تبدو الحاجة أكبر إلى استمرار هذه الروح، ودعم كل مبادرة إيجابية، وتشجيع الشباب على المشاركة، حتى تصبح القرية بما يليق بأبنائها وبمكانتها وتطلعات أهلها.
فربما تبدأ قصة المدينة الجديدة من مبادرة صغيرة، ومن مجموعة شباب قرروا أن يقولوا للجميع: هذه قريتنا.. وهذا مستقبلها.. ونحن جزء من المسؤولية عنه.
وهنا تحديدًا تتجسد قيمة التجربة؛ فحين يتحول الانتماء إلى مبادرة، تتحول المبادرة إلى أثر، ويتحول الأثر إلى بداية حقيقية لمستقبل أفضل.





