تحقيق تحية محمد
لا يبدأ علاج مريض التأمين الصحي بروشتة دواء، بل يبدأ بورقة تحويل، ورقة تجر ورقة، وختم يجر ختم، حتى يتحول المريض من صاحب حق في العلاج إلى أسير بين العيادات والمستشفيات.
هذا السؤال “إلى متى؟” لم يعد مجرد عنوان، بل صرخة يومية يرددها آلاف المنتفعين أمام شبابيك التأمين الصحي.
الرحلة تبدأ من “الممارس” ولا تنتهي
رحلة مريض التأمين النموذجية:
يذهب المريض لعيادة الممارس العام في مركز عمله، ليطلب تحويل لأخصائي باطنة ، يقال له: “التحويلات يوم … فقط”.
اليوم التاني يعود المريض ليأخذ التحويل، ثم يطلب منه الذهاب لعيادة الأخصائي في مدينة أخرى “لأن هذا التخصص غير موجود هنا”.
وفي اليوم الثالث، في عيادة الأخصائي، يكتب له الطبيب تحليل وأشعة، لكن “التحليل غير متاح هنا، روح مركز كذا وكذا للتحاليل والأشعة”.
اليوم الرابع، في المركز المحول إليه، يصطدم بجملة “جهاز الأشعة عطلان، أو الحجز بعد شهر.
موظفون داخل المنظومة أرجعوا الأزمة إلى البيروقراطية والربط الضعيف بين الوحدات، فكل عيادة تعمل كجزيرة منفصلة، ولا يوجد ملف طبي موحد للمريض، نفس التحليل يطلب مرتين، ونفس الأشعة يعاد حجزها لأن “السيستم لا يظهر التحويل”.
الطبيب هو الآخر ضحية
طبيب أخصائي طلب عدم ذكر اسمه قال لنا:
أنا مقيد بلائحة ،لا أستطيع طلب تحليل معين إلا بعد توقيع الممارس، ولا أستطيع تحويل المريض للجامعة إلا بعد موافقة الاستشاري.
نحن نعطل المريض بالقانون وليس بالإهمال، المريض يظن أنني أرفض مساعدته، والحقيقة أن يدي مقيدة.
من الفجر، أمام عيادة التأمين الصحي ، يجلس العشرات على الرصيف، رجال مسنين، سيدات يحملن أطفالهن، ومرضى أورام وكلى ينتظرون دوراً قد لا يأتي.
تقول الحاجة فاطمة وآخرون، يرافقون المرضى
“الدكتور يكشف على 80 حالة في 3 ساعات، يعني كل مريض دقيقتين، بيديني الروشتة من غير ما يسمعني، ولما أروح أصرف العلاج يقولولي الصنف ده ناقص هاتيه من برا”.
أخطر ما رصده التحقيق هو أزمة صرف الأدوية داخل صيدليات التأمين، قوائم طويلة لأدوية غير متوفرة، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والمستوردة.
يقولون الصيادلة إن المديونيات كبيرة وشركات الأدوية تتأخر في التوريد، ينصرف البديل المصري، والمريض يرفضه ويقول مش بيجيب نتيجة، وده بيعمل مشادات يومية.
مريض الفشل الكلوي لا يحتمل التأجيل، ومريض الأورام لا ينتظر “السيستم لما يشتغل”.
المواطن يدفع اشتراكات شهرية تخصم من معاشه ومرتبه، لكنه في النهاية يضطر لشراء 70% من علاجه على حسابه من الصيدليات الخارجية.
يقول الدكتور “أ.م” طبيب باطنة بعيادة تأمين:
“نحن نعمل في ظروف صعبة جداً، عجز شديد في الأطباء والتمريض، طبيب واحد يخدم 3 عيادات. المنظومة تحتاج ميكنة حقيقية وزيادة عدد الأطباء، وليس مجرد تحويل المرضى من شباك لشباك”.
الآن أين هو الحل؟؟؟
الحل في “ملف واحد”
تفعيل الحجز الإلكتروني الحقيقي بدلاً من طوابير الفجر.
توفير نواقص الأدوية المزمنة بشكل عاجل.
زيادة عدد الأطباء الأخصائيين والالتزام بمواعيد حضورهم.
فصل كبار السن ومرضى الأورام والكلى في شبابيك خاصة رحمة بهم
مريض التأمين لا يطلب مستشفى 5 نجوم، يطلب فقط أن يجد علاجه دون أن يموت وهو ينتظر الختم الأخير.




