كتبت – آلاء السيد
في 27 سبتمبر 1993، عُرض فيلم “أرض الأحلام”، العمل الذي جمع للمرة الأولى والأخيرة بين الفنانة فاتن حمامة والفنان يحيى الفخراني، في تجربة سينمائية حملت توقيع المخرج داود عبد السيد، وكتبها السيناريست هاني فوزي، لم يكن الفيلم مجرد لقاء استثنائي بين نجمين كبيرين، بل جاء كرحلة إنسانية تدور أحداثها خلال ليلة واحدة، وتضع بطلته أمام أسئلة تتعلق بالخوف والتغيير والحياة التي نختارها، مقابل الحياة التي قد يختارها الآخرون لنا.
تدور الأحداث حول نرجس، التي جسدت شخصيتها فاتن حمامة، وهي امرأة اعتادت حياة هادئة يغلب عليها الروتين والحذر. ومع اقتراب سفرها إلى الولايات المتحدة للانضمام إلى ابنها المهاجر، تجد نفسها أمام تغيير كبير لم تكن مستعدة له نفسيًا، ورغم أن السفر يبدو في البداية خطوة طبيعية نحو حياة جديدة، فإن نرجس تظل ممزقة بين ما ينتظره منها المحيطون بها وبين ما تريده هي بالفعل.
في المقابل، يظهر يحيى الفخراني في شخصية “الساحر”، رجل وحيد يعيش على هامش الحياة ويقضي وقته في أحد الأماكن بمنطقة مصر الجديدة ، وتتقاطع طرقه مع نرجس بعد حادث سيارة، لتبدأ بينهما رحلة البحث عن جواز سفرها المفقود. ومن هنا تتحول الليلة العادية إلى سلسلة من المواقف والمطاردات واللقاءات التي تخرج نرجس تدريجيًا من عالمها المغلق.
ومع كل محطة في رحلة البحث، تبدأ الشخصية في اكتشاف جوانب من نفسها لم تكن تمنحها فرصة للظهور، لتصبح قضية جواز السفر المفقود مدخلًا إلى رحلة أعمق، تبحث فيها نرجس عن رغباتها الحقيقية.
ماذا نريد، وماذا يريد الآخرون لنا؟، يطرح “أرض الأحلام” سؤالًا إنسانيًا يتجاوز أحداثه: هل الحلم الذي نسعى لتحقيقه هو فعلًا حلمنا، أم أننا نعيش أحيانًا وفق أحلام رسمها الآخرون لنا؟
ومن خلال شخصية نرجس، يناقش الفيلم الخوف من المجهول، وصعوبة التخلي عن المألوف، والتردد الذي يسبق أي تحول حقيقي في حياة الإنسان.
لم تكن شوارع مصر الجديدة مجرد خلفية لأحداث الفيلم، فقد منحها داود عبد السيد حضورًا واضحًا داخل الحكاية، ظهرت العمارات القديمة والشوارع الهادئة والتفاصيل المعمارية للمنطقة كجزء من المناخ العام للفيلم، وانسجمت مع الحالة النفسية لنرجس وهي تتحرك خلال تلك الليلة الاستثنائية، وهكذا أصبحت المدينة انعكاسًا لحالة البطلة نفسها؛ مزيجًا من الماضي الذي اعتادت عليه والمستقبل الذي تخشاه.
اكتسب الفيلم أهمية خاصة في مسيرة فاتن حمامة، إذ كان آخر أفلامها السينمائية، كما ظل العمل الوحيد الذي جمعها بيحيى الفخراني على شاشة السينما، وبمرور السنوات، أصبح “أرض الأحلام” واحدًا من الأفلام اللافتة في تجربة داود عبد السيد، ليس فقط بسبب قصته المختلفة، ولكن أيضًا بسبب الطريقة التي مزج بها بين التفاصيل اليومية والبعد الإنساني والفلسفي، ليحوّل ليلة واحدة في حياة امرأة إلى رحلة كاملة في مواجهة الخوف والحلم والاختيار.





